القرطبي
83
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله ، وتحققهم من حال النبي صلى الله عليه وسلم في ذم الأوثان وعيبها ما عرف منه ، فيكون ما روى من حزن النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الإشاعة والشبهة وسبب هذه الفتنة ، وقد قال الله تعالى : " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ( 1 ) " الآية . قلت : وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا . وقد قال سليمان بن حرب : إن " في " بمعنى عنده ، أي ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم ، كقوله عز وجل : " ولبثت فينا ( 2 ) " [ الشعراء : 18 ] أي عندنا . وهذا هو معنى ما حكاه ابن عطية عن أبيه عن علماء الشرق ، وإليه أشار القاضي أبو بكر بن العربي ، وقال قبله : إن هذه الآية نص في غرضنا ، دليل على صحة مذهبنا أصل في براءة النبي صلى الله عليه وسلم مما ينسب إليه أنه قاله ، وذلك أن الله تعالى قال : " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته " أي في تلاوته . فأخبر الله تعالى أن من سنته في رسله وسيرته في أنبيائه إذا قالوا عن الله تعالى قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه كما يفعل سائر المعاصي . تقول : ألقيت في الدار كذا ، وألقيت في الكيس كذا ، فهذا نص في الشيطان أنه زاد في الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم ، لا أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم به . ثم ذكر معنى كلام عياض إلى أن قال : وما هدى لهذا إلا الطبري لجلالة قدره وصفاء فكره وسعة باعه في العلم ، وشدة ساعده في النظر ، وكأنه أشار إلى هذا الغرض ، وصوب على هذا المرمى ، وقرطس بعدما ذكر في ذلك روايات كثيرة كلها باطل لا أصل لها ، ولو شاء ربك لما رواها أحد ولا سطرها ، ولكنه فعال لما يريد . وأما غيره من التأويلات مما حكاه قوم أن الشيطان أكرهه حتى قال كذا فهو محال ، إذ ليس للشيطان قدرة على سلب الانسان الاختيار ، قال الله تعالى مخبرا عنه : " وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ( 3 ) " [ إبراهيم : 22 ] ، ولو كان للشيطان هذه القدرة لما بقي لاحد
--> ( 1 ) راجع كتاب الشفا للقاضي عياض ج 2 ص 116 ، 131 طبع الآستانة . ( 2 ) راجع ج 13 ص 93 . ( 3 ) راجع ج 9 ص 356 .